أمر تنفيذي رئاسي لمنع قوانين الذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات: صدام فيدرالي–ولائي حول تنظيم التكنولوجيا

A robotic hand reaching into a digital network on a blue background, symbolizing AI technology.

في ديسمبر 2025، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا مثيرًا للجدل يهدف إلى منع الولايات الأميركية من سنّ أو تطبيق قوانين مستقلة لتنظيم الذكاء الاصطناعي. يمثّل هذا القرار تصعيدًا واضحًا في الخلاف القائم بين الحكومة الفيدرالية والولايات بشأن الجهة المخوّلة بتنظيم واحدة من أكثر التقنيات تأثيرًا وإثارة للقلق في العصر الحديث.

يرى البيت الأبيض أن تنامي القوانين الولائية المتباينة يخلق «فسيفساء تنظيمية» تعيق الابتكار، وتربك الشركات، وتضعف القدرة التنافسية للولايات المتحدة عالميًا. في المقابل، تعتبر عدة ولايات — وعلى رأسها نيويورك — أن غياب تشريع فيدرالي شامل يفرض عليها التدخل لحماية مواطنيها من مخاطر الذكاء الاصطناعي غير المنضبط.


مضمون الأمر التنفيذي

يحمل الأمر التنفيذي عنوانًا يعكس توجهه المركزي: توحيد الإطار الوطني لتنظيم الذكاء الاصطناعي. وهو لا يلغي قوانين الولايات بشكل مباشر، لكنه:

  • يوجّه الوكالات الفيدرالية إلى تحديد القوانين الولائية التي تُعد “مقيّدة أو معرقلة” للسياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي.
  • يمنح وزارة العدل الأميركية دورًا نشطًا في الطعن القضائي ضد قوانين الولايات التي يُنظر إليها على أنها تتعارض مع السياسة الفيدرالية.
  • يلمّح إلى إمكانية ربط بعض أشكال التمويل الفيدرالي بالتزام الولايات بالتوجه الفيدرالي الموحد.

وتؤكد الإدارة أن الهدف هو تشجيع الابتكار، وتجنب الأعباء التنظيمية، وضمان أن تكون الولايات المتحدة في موقع تنافسي متقدم، لا سيما في مواجهة الصين.


نيويورك في واجهة المواجهة: قانون RAISE

جاء الأمر التنفيذي في وقت كانت فيه ولاية نيويورك تدفع باتجاه تشريع صارم نسبيًا يُعرف باسم قانون السلامة والتعليم المسؤول للذكاء الاصطناعي (RAISE Act).

يهدف هذا القانون إلى:

  • إلزام مطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة بنشر خطط سلامة واضحة.
  • فرض الإفصاح عن الحوادث الخطيرة أو الإخفاقات الجوهرية للأنظمة.
  • تمكين الجهات التنظيمية من التدخل إذا ثبت أن النظام يشكّل خطرًا على الجمهور.

ويرى مشرّعو نيويورك أن هذه المتطلبات لا تفرض التزامات جديدة جوهرية، بل تترجم وعودًا سبق أن أعلنتها شركات التكنولوجيا الكبرى بشأن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.


ردود الفعل الولائية: بين الرفض والحذر

قوبل الأمر التنفيذي بردود فعل متباينة. فقد اعتبر مسؤولون في عدة ولايات أن الخطوة تمثّل تعديًا على صلاحيات الولايات الدستورية، خاصة في المجالات المتعلقة بحماية المستهلك، ومكافحة التمييز، والسلامة العامة.

وأشار مشرّعون في نيويورك إلى أن الأمر التنفيذي، من الناحية القانونية، لا يمنع الولايات فعليًا من التشريع، بل يوجّه السلطة التنفيذية الفيدرالية إلى استخدام أدواتها القضائية والسياسية للضغط. ويرى هؤلاء أن الحل الحقيقي لا يكمن في كبح الولايات، بل في إقرار قانون فيدرالي شامل من الكونغرس.


الإطار الدستوري: الفيدرالية وحدود السلطة التنفيذية

يعيد هذا التطور إلى الواجهة سؤالًا دستوريًا قديمًا:
إلى أي مدى تستطيع السلطة التنفيذية الفيدرالية تقييد التشريع الولائي دون تدخل تشريعي من الكونغرس؟

بموجب الدستور الأميركي:

  • تتمتع الولايات بما يُعرف بـ “السلطات الشرطية” لتنظيم شؤون الصحة والسلامة والرفاه العام.
  • يمكن للحكومة الفيدرالية أن تُبطل قوانين الولايات فقط في حال وجود قانون فيدرالي صريح أو تعارض مباشر يخضع لمبدأ سموّ القانون الفيدرالي.

وبما أن الأمر التنفيذي لا يستند إلى تشريع جديد صادر عن الكونغرس، يتوقع خبراء قانونيون موجة من الطعون القضائية التي قد تصل إلى المحاكم الفيدرالية العليا.


السياق السياسي والتقني الأوسع

يأتي هذا الصدام في ظل:

  • فشل الكونغرس المتكرر في إقرار تشريع وطني شامل للذكاء الاصطناعي.
  • تسارع الولايات إلى ملء الفراغ التنظيمي عبر قوانين تتناول التمييز الخوارزمي، والشفافية، واستخدامات الذكاء الاصطناعي في التوظيف والانتخابات.
  • قلق متزايد داخل الإدارة الأميركية من أن التنظيم الصارم قد يضعف القدرة التنافسية أمام نماذج تنظيمية مركزية، مثل النموذج الصيني.

ماذا يعني ذلك لمستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي؟

على المدى القريب، سيؤدي الأمر التنفيذي إلى:

  • حالة من عدم اليقين القانوني للشركات المطورة للذكاء الاصطناعي.
  • تصاعد النزاعات القضائية بين الحكومة الفيدرالية والولايات.
  • تعميق الجدل السياسي حول من يجب أن يقود تنظيم التكنولوجيا المتقدمة.

أما على المدى الأبعد، فإن هذا الصراع قد يشكّل عامل ضغط حاسم يدفع الكونغرس أخيرًا إلى التدخل ووضع إطار تشريعي وطني يوازن بين الابتكار والحماية.


خاتمة

يعكس الأمر التنفيذي للرئيس ترامب بشأن قوانين الذكاء الاصطناعي صراعًا جوهريًا حول السلطة والتنظيم في العصر الرقمي. فهو ليس مجرد خلاف تقني، بل مواجهة دستورية وسياسية حول من يملك حق رسم حدود استخدام واحدة من أخطر وأهم تقنيات القرن.

وبينما تسعى الحكومة الفيدرالية إلى توحيد القواعد، تصرّ الولايات على حقها في التحرك عندما يتأخر التشريع الوطني. والمرجّح أن تحسم المحاكم — لا الأوامر التنفيذية وحدها — ملامح هذا التوازن في السنوات القادمة.

Scroll to Top